الإيجابية أشمل من التفكير الإيجابي

في هذا الباب سيتم تناول الإيجابية بشكل متكامل يُعزز الاتجاهات الإيجابية لتجمع بين التفكير الإيجابي والانفعالات الإيجابية لتكون دوافع داخلية للسلوك الإيجابي والعادات الإيجابية. لذا سيتم التركيز على كل من التفكير والانفعال الإيجابيين بصرف النظر عمّا إن كانت الانفعالات الإيجابية تنتج عن العادة العقلية الإيجابية التي من المُحبّذ أن يعتاد الفرد على تبنّيها تجاه المواقف، أو إن كانت الانفعالات الإيجابية هي البيئة النفسية الداعمة على تبنى العادات الإيجابية (السلوكية أو العقلية) التي تُساعد الفرد على مجابهة المواقف. كما وسيتم الإشارة إلى نقطتين حرجتين في علم النفس الإيجابي وهما: أن الإيجابية أكثر من مجرّد التفاؤل بما هو ممتلئ من الكأس بل تسمو إلى تقدير قابلية الكأس لإعادة التعبئة أو حتى فرص إيجاد كأس أو كؤوس أخرى، وأن السعادة هي في الرحلة وليس فقط عند الوصول، فهي الوسيلة وليست الغاية فقط.

الإيجابية أشمل من التفكير الإيجابي (التفاؤل)

نشاط (3-1): اختبار الفكرة

تخيّل أنّك وجدت المصباح السحري، وبمجرد حملك له خرج لك المارد قائلاً: “لطالما كنت بانتظارك، وفي جعبتي لك هديتين عليك اختيار واحدة منهما، إحداهما رداء أحمر يُعينك على تحديد المشكلات وحلّها والآخر رداء أخضر يُعينك على إيجاد الآمال وتحقيقها.” (Pawelski, 2017)

  1. ماذا ستختار؟ لماذا؟
  2. باعتقادك، هل سيُغنيك الرداء الأحمر عن الرداء الأخضر؟ لماذا؟
  3. باعتقادك، هل سيُغنيك الرداء الأخضر عن الرداء الأحمر؟ لماذا؟

قد تُثير صفة “الإيجابي” في علم النفس الإيجابي التوقعات حول تركيزه على جوانب النفس الإنسانية الإيجابية وإهمال الجوانب السلبية منها كما هو الحال فيما يتعلّق بالتفكير الإيجابي الذي يُركز على العقلية التي تولي الاهتمام برؤية الجوانب المضيئة من الحياة، ممّا يُثير الشكوك المُكوّنة حول مدى واقعية هذا المجال لا سيّما أن الجوانب السلبية هي جزء لا يتجزأ من واقع الحياة ولا يُمكن التغاضي عنه. لذا قدّم جيمس باولسكي (Pawelski, 2016a; 2016b) ورقتين في ضوء الأدب النفسي والدراسات السابقة في علم النفس الإيجابي ليضع النقاط على الحروف في تعريف صفة “الإيجابي” في علم النفس الإيجابي وتحليلها وصفياً ومعيارياً، فأشار إلى أن صفة الإيجابية تدعو إلى زيادة ما يرغب الفرد في تحقيقه والمواظبة عليه بشكل مباشر، وتدعو إلى الوقاية ممّا لا يرغب الفرد فيه وتقليل أثره عليه بشكل غير مباشر. كما أن المعايير العلمية للإيجابية تُشير إلى ضم كل ما يُفضّله الفرد من أجل تحقيقه وكل ما لا يُفضّله من أجل الحد من أثره، وتُشير إلى استدامة هذا النهج مع مرور الزمن وباختلاف الأشخاص وبتنوع السياقات الحياتية وأثرها عليه.

وبالرجوع إلى النشاط (3-1) يُمكن القول إنه من الصعب اختيار أحد الرداءين دون الآخر، فالرداء الأحمر لا يُؤدي إلى تحقيق الآمال، والرداء الأخضر لا يضمن بالضرورة حل المشكلات. ولكن وفي ضوء تعريف “الإيجابية” السابق، يُمكننا ارتداء الرداء الأخضر لتحقيق الآمال المرغوبة وإضافة القليل من الاحمرار لتجاوز المعيقات غير المرغوبة في طريق الإنجاز. فعلى سبيل المثال الحدّ من الأعشاب والحشرات الضّارة قد لا يُؤدي أبداً إلى إنتاج المحاصيل، بينما زراعة البذور والمواظبة على ما يؤدي إلى نموها مع قص ما قد ينمو من الأعشاب الضّارة وعدم توفير البيئة المناسبة للحشرات الضّارة يضمن تقليل أثرها إن لم يضمن الوقاية منها كلّيا. لذا يُمكن الختام بأن الإيجابية في علم النفس الإيجابي تدعو إلى تبنّي التفكير الإيجابي المتفائل فيما يُمكن تحقيقه مع الأخذ بعين الاعتبار قبول ما هو سلبي ومواجهته وتجاوزه.

ومن هنا يُتيح لنا النهج البنائي التكويني لتناول بعض المفاهيم الأساسية في علم النفس الإيجابي كالتفاؤل، والمنعة النفسية، والعقلية المتنامية. فقد تطوّرت المفاهيم مع تطوّر علم النفس الإيجابي للقيام بأفضل أداء ممكن وتحقيق الازدهار المراد منه. فمثلاً يُمكن للتفاؤل أن يكون مهارة تفكير إيجابي مُتعلّمة لتُصبح مع التدريب نمطاً للتفكير. فقد قدّم مارتن سيليجمان (Seligman, 2011) في كتابه “التفاؤل المُتعلّم: كيف تُغيّر من عقلك ومن حياتك” كيفية الابتعاد عن نمط التأويل المتشائم المؤدي إلى العجز المُتعلّم والتدريب على نمط التأويل المتفائل المؤدي إلى التفاؤل المُتعلّم. وللتعرّف على نمطي التأويل المتفائل للحرص على تبنّيه والمتشائم للتقليل من تبنّيه عند مواجهة المواقف الضاغطة والصادمة، يُمكن التمعّن في الجدول الآتي وتطبيق النشاط الذي يليه:

جدول 3-1

الجدول (3-1): نمطا التأويل المتفائل والمتشائم عند مواجهة المواقف الضاغطة والصادمة

نشاط (3-2): نمط التأويل المتفائل

تأمّل في أبعاد نمطي التأويل المتفائل والمتشائم الأربعة. ما التأويلات التي تُسيطر على أفكارك وأفعالك؟ خطّط لزيادة نمط التأويل المتفائل ولتقليل نمط التأويل المتشائم. خلال تصميمك لخطتك العملية، يُمكنك الاستعانة بالصيغة اللغوية الآتية:

سأقوم بـ زيادة/ تقليل ……………………………………………..،

خلال الفترة الزمنية الممتدة من ……………… إلى ………………،

وذلك من خلال الأفعال الآتية:

1.

2.

3.

نشاط إضافي: يُمكنك الرجوع إلى الرابط الآتي الذي يُؤدّي إلى إحدى روابط جامعة ستانفورد الذي يُساعدك في الكشف عن مدى سيطرة أبعاد التفاؤل المتعلّم على أفكارك وأفعالك:

https://web.stanford.edu/class/msande271/onlinetools/LearnedOpt.html

ومن الجدير بالذكر أنه بالإضافة إلى نشاط قوى الشخصية الذي يُعد من أهم تدخلات علم النفس الإيجابي التي تُساعد على زيادة الإيجابية والسعادة وتقليص أعراض الاكتئاب، هنالك نشاطاً شهيراً وبسيطاً جداً هو “ثلاثة أمور جيدة” حيث يُمكن تطبيقه وتلمّس أثره في غضون أسبوع واحد فقط (Seligman, Steen, Park & Peterson, 2005). ويُجدر الإشارة إلى أن من أهم نتائج تطبيق هذا النشاط أن تطبيق المشاركين له لم يقتصر على الأسبوع بل استمر معهم ليُصبح عادةً يقومون بها لتأمّل أمورهم الجيدة واستمرار أثره الإيجابية على حياتهم على الأمد الطويل.

نشاط (3-3): ثلاثة أمور جيدة

تأمّل في ثلاثة أمور تمت بشكل جيد (أو نِعم استشعرتها) وفي أسباب حدوثها كل يوم لمدة أسبوع. في نهاية الأسبوع، اكتب بكلماتك وصفاً سببياً لهذه الأمور الجيدة والنعم التي تمتّعت بها خلال الأسبوع.

كما يُعد التفاؤل من أهم أبعاد المنعة النفسية أو في بعض المراجع العربية يُشار إليها بالمناعة النفسية أو المرونة النفسية التي تُعنى بالرجوع من مصاعب الحياة ومصائبها بأسرع وقت ممكن من جهة، وتقدير أن المواقف الضاغطة والصادمة هي فرصة تعلّم كبيرة تعود على الأفراد بالنفع في مواجهة ما يُشابهها في المستقبل. فبالإضافة إلى بعدي الصلابة (رباطة الجأش) ووفرة المصادر (سعة الخبرة) يأتي التفاؤل كبعد مهم جداً لتلمّس الجوانب الإيجابية التي لا تزال موجودة في حياة الأفراد اليومية رغم الظروف العصيبة، كما تُساعد الأفراد على تذكّر الغاية من وجودهم ومقاصدها ذات المعنى ومتابعة المسير نحوها (Alsheikh Ali, 2014; Campbell-Sills & Stein, 2007; Connor & Davidson, 2003).

ومن جهة أخرى، يُؤكّد علم النفس الإيجابي على أهمية العقلية الإيجابية التي يتبنّاها الأفراد في قيادة أنفسهم للتعلّم والتطوّر وبالتالي القيام بوظائفهم على أكمل وجه، وكذلك على أهمية التقليل من العقلية السلبية التي تُحدّد الأفراد بإمكاناتهم وقدرات الشخصية التي يرونها أصحاب هذه العقلية على أنها قدرات داخلية ثابتة غير قابلة للتطوّر. لذا قدّم بوتشانان وكيرن (Buchanan & Kern, 2017) مؤخّراً ورقةً أشارا فيها إلى تطوير عقلية النمو (التي أوجدتها كارول دويك في كتابها “العقلية: علم نفس النجاح الجديد”) لتصبح عقلية الفائدة التي تُتيح للأفراد قيادة أنفسهم من خلال استكشاف قواهم الشخصية من أجل تقديم مُساهمات أكبر من إطارهم الشخصي، والإيمان بالقدرة على النمو وإحداث التغيير على مستوى المجتمع، ووضع جهود عملية فعالة في سياقات ذات معنى. وللتعرف على عقلية الفائدة بالمقارنة مع عقلية النمو وعقلية الثبات، تمعّن النظر في الجدول الآتي:

جدول 3-2

الجدول (3-2): عقلية الفائدة بالمقارنة مع عقلية النمو وعقلية الثبات

نشاط (3-4): عقلية الفائدة وعقلية النمو مقابل عقلية الثبات

تأمّل في العقليات الثلاث في الجدول (3-2). أي منها أكثر سيطرة على أفكارك وأفعالك؟ خطّط لزيادة عقليتي الفائدة والنمو ولتقليل عقلية الثبات. خلال تصميمك لخطتك العملية، يُمكنك الاستعانة بالصيغة اللغوية الآتية:

سأقوم بـ زيادة/ تقليل ……………………………………………..،

خلال الفترة الزمنية الممتدة من ……………… إلى ………………،

وذلك من خلال الأفعال الآتية:

1.

2.

3.

المراجع:

Alsheikh Ali, A. (2014). Resilience levels and their relationship to academic adjustment and achievement among graduates of orphanages. Jordan Journal of Educational Sciences, 10(4), 411-430

Buchanan, A. & Kern, M. L. (2017). The benefit mindset: The psychology of contribution and everyday leadership. International Journal of Wellbeing, 7(1), 1-11

Campbell-Sills, L., & Stein, M. B. (2007). Psychometric analysis and refinement of the Connor–Davidson Resilience Scale (CD-RISC): Validation of a 10-Item measure of resilience. Journal of Traumatic Stress, 20(6), 1019–1028

Connor, K. M., & Davidson, J. R. (2003). Development of a new resilience scale: The Connor-Davidson Resilience Scale (CD-RISC). Depression and Anxiety, 18(2), 76-82

Pawelski, J. O. (2016a). Defining the ‘positive’ in positive psychology: Part I. A descriptive analysis. The Journal of Positive Psychology, 11(4), 339-356

Pawelski, J. O. (2016b). Defining the ‘positive’ in positive psychology: Part II. A normative analysis. The Journal of Positive Psychology, 11(4), 357-365

Pawelski, J. O. (June, 2017). Positive Psychology: Applications and Interventions. Massive Open Online Course (MOOC) by University of Pennsylvania via Coursera: https://www.coursera.org/learn/positive-psychology-applications/home/welcome

Seligman, M. E. P., (2011). Learned Optimism: How to change your mind and your life. Random House, New York

Seligman, M. E. P., Steen, T. A., Park, N., & Peterson, C. (2005). Positive Psychology Progress. American Psychologist, 60(5), 410-421

ملاحظة: راجع المصطلحات بالإنجليزية 3

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s