السعادة في الرحلة و(ليس) في الوصول!

أكتب في هذه الخاطرة عن دلالة السعادة في نفسي، وبالرغم من أن تأثري بالخلفية العلمية لدراسة السعادة سيظهر، إلّا أنني سأحرص على كتابة ما يجول في خاطري.

السعادة هي أكبر من مجرد نزوة سرور عشتها بسبب أمر مبهج، وأعمق من نشوة انتصار بالوصول إلى أمر كنت أسعى إليه في حياتي… السعادة هي تجربة الوقوع في حب الحياة والانفتاح على بابها بمصراعيه… السعادة هي العافية، هي الهناء بما تعلّمت من ماضي يسرّ ويؤلم، وبما أغرق فيه من حاضر العلم والعمل، وبالقصد من وراء مستقبل قد لا يتجاوز لحظات وقد يمتد إلى سنوات وأتزود له بالأمل.

السعادة لا تقتصر على “أصحاب السعادة” فهي أن أدرك أنني قد وُهبت الحياة صباح اليوم، وأن لدي ماء في الكأس، وإذا فرغ فالسعادة هي أنني أعي أنه يُمكن تعبئته مرات ومرات…

السعادة هي لحظات الرحلة يسرها ومشقتها، وهي التخلص من انتظار الوصول… وتزداد نوراً في رؤية آثار قدميّ على طريقها… أن أرسم بسمة على وجهي سعادة، وأن أترك بسمات على الوجوه سعادة، ورفقي بحالي وحال الناس سعادة، وإحساني لنفسي وللناس سعادة، في اعتذاري سعادة، وفي صفحي سعادة، في “الكلم الطيب والعمل الصالح” سعادة، وأن أحمد الله سعادة، وأشكر للناس سعادة…

سأسعد بوصولي إن وصلت وبسعادتي إن لم أصل… اسعدوا أحبائي

15 رمضان 1437

شكر موصول إلى تغميس: مطبخ اجتماعي 🙂

http://www.taghmees.org

Advertisements

علم النفس الإيجابي: ما قبل سيليجمان

لقد كنت في رحلة بحث عن بعض بوادر علم النفس الإيجابي في المدة الزمنية التي سبقت نظرية العافية (Well-being Theory) لمارتن سيليجمان (Martin Seligman) وعناصرها الخمس المعروفة باختصارات (PERMA)، ومن أبرز ما وجدت نشرة للدكتور نكو روز (Dr. Nico Rose) التي قد قام بنشرها على مدونته (MAPPALICIOUS) التي أنصحكم بقراءة نشراته المميزة عليها. وفيما يلي ترجمة نشرته بعنوان (البنية العامة للعافية النفسية – قبل إطار (PERMA)) في اللغة العربية.

عندما نتحدث عن “التصميم العظيم” للعافية النفسية في هذه الأيام، يعود المعظم (ولو بالسر) إلى إطار سيليجمان (PERMA) الذي يُكوّنه العناصر الآتية: الانفعالات الإيجابية، والانخراط، والعلاقات، والقصد، والإنجاز. وقد تجد منهم أضاف حرف (V) للإطار من أجل إدراج الحيوية (Vitality) لينتج إطار (PERMA-V). فإن مخطط سيليجمان لم يكن بالطبع المحاولة الأولى لبناء “نظرية كل شيء” فيما يتعلّق بالعافية النفسية.

ما بين 15 – 20 عاماً قبل تقديم إطار (PERMA)، قدّمت الباحثة كارول ريف (Carol Ryff) وزميلها كوري كايز (Corey Keyes) نموذجاً معتمداً على البيانات العلمية يُقدّم ستة أبعاد للعافية النفسية هي: قبول الذات، والعلاقات الإيجابية مع الآخرين، والاستقلالية، والبراعة البيئية، والهدف في الحياة، والنمو الشخصي. (وهذا رابط الورقة الأصلية: مراجعة البنية العامة للعافية النفسية) ومن الواضح جداً أن هناك تقارباً كبيراً بين الإطارين، إلّا أن هناك اختلافات طفيفة.

بالنسبة لي، هنالك أمراً مثيراً في نموذج ريف وكايز (Ryff & Keyes) وهو أن العافية هي مفهوم من مستوى عال، وأن ريف وكايز كانا قادران إحصائياً على تقديم الأثر الموجود في “الكل هو أعظم من مجموع الأجزاء” بشكل واضح في البيانات. والفكرة هنا أن العافية النفسية توجد كعامل منفرد دال على ذاته حيث يفيد ذلك أن الكل له معنى أعمق من مجرد وجود الأجزاء. وهذا كمثل النظر إلى أي بيت ككل فرؤيته كبيت متكامل يضفى معنى أفضل بكثير من رؤية الطوب والأبواب والنوافذ بشكل منفصل.

وفيما يلي العناصر المُكوّنة لنموذج ريف وكايز (Ryff & Keyes) بكلماتهما حسب ما جاء الورقة:

قبول الذات (Self-Acceptance)

ذوي الدرجة المرتفة: يمتلكون اتجاهات إيجابية نحو الذات، ويعترفون بأوجه الذات المتعددة بما فيها الجيد والسيئ ويقبلون بها، ويشعرون بمشاعر إيجابية نحو ماضيهم.

ذوي الدرجة المنخفضة: يشعرون بعدم الرضا عن أنفسهم، ويُحبطون ممّا حدث لهم في الماضي، ويُحرجون من جوانب شخصية محدّدة لديهم، وطالما يتمنون أن يكونون مختلفين عمّا هم عليه.

العلاقات الإيجابية مع الآخرين (Positive Relations with Others)

ذوي الدرجة المرتفة: يمتلكون علاقات يسودها الدفء والقناعة والثقة مع الآخرين، ويتمنون الخير لهم، ويجمعهم بهم الكثير من المشاعر والتعاطف والمودة، ويتفهمون مبادئ الأخذ والعطاء في علاقاتهم.

ذوي الدرجة المنخفضة: لديهم القليل من العلاقات المقربة ذات محط الثقة، ويجدون صعوبة في التعامل بالود والانفتاح والثقة، وطالما يبدون منعزلين، ويخيب ظنهم من العلاقات الشخصية، ولا يبدون نية في تقديم التنازلات من أجل استدامة الروابط المهمة بالآخرين .

الاستقلالية (Autonomy)

ذوي الدرجة المرتفة: .ذوي عزم واعتماد ذاتيين، ولديهم القابلية لمقاومة الضغوط الاجتماعية للتفكير بطريقة محددة أو اتخاذ مسلك محدد، ولديهم تنظيم ذاتي، ويقوّمون أنفسهم حسب معاييرهم الشخصية.

ذوي الدرجة المنخفضة: جل اهتمامهم توقعات منهم وتقييم الآخرين لهم، يرتكزون على الآخرين في اتخاذ القرارات المهمة، ويستسلمون للضغوط الاجتماعية للتفكير بطريقة محددة أو اتخاذ مسلك محدد.

البراعة البيئية (Environmental Mastery)

ذوي الدرجة المرتفة: لديهم البراعة والكفاءة في إدارة الظروف المحيطة، وقادرين على التحكم بالأنشطة الخارجية المعقدة، ويصنعون من الفرص المتاحة استخدامات فعالة، ويقدرون على صنع واختيار السياقات المناسبة لقيمهم وحاجاتهم الشخصية.

ذوي الدرجة المنخفضة: لديهم صعوبة في إدارة شؤون حياتهم اليومية، ولا يقدرون على تغيير أو تحسين الظروف المحيطة، ولا يمتلكون الوعي بما يحيط بهم من فرص، ويفتقدون حس التحكم بالعالم الخارجي.

الهدف في الحياة (Purpose in Life)

ذوي الدرجة المرتفة: لديهم أهدافهم في الحياة والقدرة على توجيهها، ويشعرون بمعنى الحياة في الماضي أو الحاضر، ولديهم معتقدات راسخة، ولهم مقاصد وأهداف فيما يفعلونه.

ذوي الدرجة المنخفضة: يفتقرون للمعنى من حياتهم، فلديهم أهداف محدودة لا يمتلكون القدرة للتوجه نحو تحقيقها، ولا يرون العبر من حياة الماضي، ولا يمتلكون أي معتقد حول مقاصد الحياة.

النمو الشخصي (Personal Growth)

ذوي الدرجة المرتفة: يشعرون بالتطور المستمر، فيرون نمواً واتساعاً في مدراكهم، ومنفتحون على الخبرات، ولديهم قدرة الكشف عن إمكاناتهم، ويلمسون تحسنهم الذاتي مع الوقت، ويتغيرون فيما ينعكس على تحسين معرفتهم وفعاليتهم الذاتية.

ذوي الدرجة المنخفضة: لديهم الكثير من الجمود الشخصي، ويفتقرون للتحسن والتطوير مع الوقت، وطالما يشعرون بالملل وفقدان الرغبة في التطوير الذاتي، ويفتقدون لبناء أو حتى تطوير اتجاهات وسلوكات جديدة.

المصدر

Rose, N. (2016, April 15). The Structure of Psychological Well-Being — before PERMA. Message posted to https://mappalicious.com/2016/04/15/the-structure-of-psychological-well-being-before-perma/

علم النفس الإيجابي: سطور أولى

انشغل علم النفس بصفة عامة منذ انطلاقه كعلم مستقل حتى يومنا الحاضر في دراسة السلوك الإنساني وما وراءه من عمليات فيسيولوجية وعقلية وانفعالات وبيئة، ومن أبرز أسئلته المحورية: “ما الخطأ؟” ليتم معالجته. لذا اهتمت غالبية فروع علم النفس وخصوصاً الإرشادي منه بمساعدة الأفراد على الرجوع من الحالة السالبة إلى نقطة الصفر حيث لا يوجد اضطراب. وجاء علم النفس الإيجابي بهدف دراسة الازدهار الإنساني والهناء الشخصي، وكذلك فهم الانفعالات الإيجابية التي قد يُمكن تلخيصها في الرضا عن الماضي، والسعادة في الحاضر، والأمل في المستقبل (Salama-Younes, 2015). فاهتم بالسؤال: “ما الصائب؟” للبناء عليه والسير بأفضل ما يُمكن ضمن منهج قائم على قوى الشخصية. فقدّم بيترسون وسيليجمان (Peterson & Seligman, 2004) إثر دراسة مستفيضة للفضائل والقوى الإنسانية 24 قوى شخصية عالمية (Universal Character Strengths) ضمن ستة فضائل (Virtues) سيتم تناولها في نشرة خاصة.

مرّ علم النفس الإيجابي بتطوّرات عديدة منذ نشأته عام 1998 على يد مارتن سيليجمان (Martin Seligman) الذي كان في ذلك العام رئيساً لجمعية علم النفس الأمريكية (Authentic Happiness, 2016). وفي هذه النشرة سيتم تناول أهم تطوّر نظري له بصورة مُختصرة قام به سيليجمان نفسه على بعض الأسس والعناصر بعدما قامت إحدى طالباته المدعوة سينيا (Senia) بلفت انتباهه إلى وجود بعض النقص على عناصر نظرية السعادة الحقيقية (Authentic Happiness Theory) التي طوّرها فيما بعد لتُصبح نظرية العافية (Well-being Theory). كتب سليجمان مدونتين على موقع السعادة الحقيقية الإلكتروني التابع لجامعة بنسيلفينا التي يترأس قسم علم  النفس الإيجابي فيها، وقد اقتبس النصوص من كتابه الأخير “اهنأ” (Flourish) حيث بيّن التطوّر الذي أجراه لتقديم نظرية العافية على ما هي عليه الآن (Seligman, 2011, April).

خاطب سيليجمان العالم بلغة علم النفس الإيجابي عام 2002 مُقدّماً نظرية السعادة الحقيقية التي أبرز ما تتناوله في طياتها ما يختاره الانسان لنفسه ويمشي لأجله ليهنأ برضا عن الحياة التي يعيشها، وقد اعتمد في ذلك على ثلاثة عناصر أساسية هي الانفعالات الإيجابية (Positive Emotions)، والانخراط (Engaement) والقصد (Meaning). وأشار إلى أن حياة السرور (Pleasant Life) تنبعث من داخل الإنسان ممّا يشعر به من مشاعر إيجابية تجاه نفسه، والآخرين، وتجاه ما يقوم به في حياته اليومية. وأن العنصر الثاني يُعنى بمدى انخراط الإنسان بما يقوم به من عمل وقد فسّره بالتدفّق الذهني (Flow) حين يتوقف الوقت ويغيب الوعي خلال انغماس الإنسان وتركيز انتباهه في العمل الذي يقوم به. أمّا العنصر الثالث فهو القصد مما يقوم به الإنسان، فأطلق سيليجمان على الإطار الذي يشمل المسعى الهادف من وراء ما يقوم به الإنسان الحياة ذات المعنى (Meaningful Life). وأشار إلى أن الإنسان في الحياة ذات المعنى يسمو للانتماء إلى ما هو أكبر منه ليخدمه كالعائلة، والإنسانية، والدين، وغيرها (Seligman, 2011, April).

وبعد ما يُقارب عقداً من العمل وتحديداً في عام 2011، قدّم سيليجمان (Seligman, 2011) كتابه “اهنأ” (Flourish) مُبيّناً أن علم النفس الإيجابي يتجاوز علم السعادة (Happiology) وما يُسمّى بالمزاج المرح، بل هناك حاجة إلى الإنجاز (Accomplishment) كدليل على النجاح بدافع الإنجاز بحد ذاته، وهناك أيضاً حاجة إلى حياة ذات صلة بمن هم حولنا (Connected Life) كنتيجة لعنصر آخر من نظرية العافية سمّاه العلاقات (Relations). وفيما يلي جدولاً يُلخّص تطور نظرية السعادة الحقيقية إلى نظرية العافية:

 

نظرية السعادة الحقيقية

نظرية العافية

محور النظرية

السعادة

العافية

الهدف

زيادة الرضا عن الحياة والسعادة زيادة الازدهار الإنساني والهناء الذاتي من خلال الانفعالات الإيجابية، والانخراط، والعلاقات الإيجابية، والقصد، والإنجاز

المقياس

الرضا عن الحياة

الانفعالات الإيجابية، والانخراط، والعلاقات الإيجابية، والقصد، والإنجاز

وللمزيد من المعلومات حول التطوّر النظري ونظريتي السعادة الحقيقية، يُمكن الرجوع لأحد مراجع الدكتور مارتن سيليجمان في الأسفل.

03. Seligman

المراجع

Authentic Happiness. (2016). Martin Seligman, Ph.D. From https://www.authentichappiness.sas.upenn.edu/faculty-profile/profile-dr-martin-seligman

Peterson, C., & Seligman, M. E. P. (2004). Character strengths and virtues: A handbook and classification. New York: Oxford University Press and Washington, DC: American Psychological Association

Salama-Younes, M. (2015). Positive Psychology: Applications, concepts and future perspectives in Arab countries). Middle East Journal of Positive Psychology, 1(1), 45-59.

Seligman, M. E. P. (2011, April). The Original Theory: Authentic Happiness. Message posted to https://www.authentichappiness.sas.upenn.edu/learn/wellbeing

Seligman, M. E. P. (2011, April). Happiness Is Not Enough. Message posted to https://www.authentichappiness.sas.upenn.edu/newsletters/flourishnewsletters/newtheory

Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being. New York, NY Free Press

انطلقنا: إيجابي بالعربي

من الأيام التي كانت منتظرة بفارغ الصبر يوم 21 آذار/مارس لإطلاق مدونة #نفسي_الإيجابية، وذلك لأن فيه الاعتدال الربيعي الذي يحمل معه الإزهار والازدهار، إلّا أن مجيء 20 آذار/مارس كيوم عالمي للسعادة أثار في النفس تقديم الإطلاق لليوم. تحمل #نفسي_الإيجابية كمبادرة توعوية في طياتها السعادة كوسيلة (وليست غاية) للإزهار والازدهار، لذا ستكون السعادة المحور الأبرز للنشرات التوعوية اليومية. ونظراً للميول العربي العام نحو القراءة من شبكات التواصل الاجتماعي ستكون أبرز معالم الخطة التوعوية:

أولاً: نشرات أسبوعية على صفحة الفيسبوك وحساب التويتر تتناول أهم الاقتباسات الإيجابية من مختلف الثقافات، وأبرز المواقع الإلكترونية والمبادرات الإيجابية، نصائح ورسائل توعوية عامة، وبعض أدبيات ونتائج دراسات علم النفس الإيجابي، إضافةً إلى أبرز علماء النفس الإيجابي (الذين يُعد غالبيتهم العظمى “معاصرين”).

ثايناً: مدونات شهرية على موقع المدونة تتناول أدبيات ودراسات وترجمات في علم النفس الإيجابي، بالإضافة إلى اجتهادات وكتابات خاصة في ذات الإطار.

ابدأ بدقائق تأمّل، وتقدير نعمة، وشعور بامتنان، ومعاملة حسنة!

Launch